الرئيسية / كُتّاب وآراء / من أسطورة تأميم الشركات إلى ضرورة المبادرة الاقتصادية للدولة

من أسطورة تأميم الشركات إلى ضرورة المبادرة الاقتصادية للدولة

رشيد بلبوخ، المنتدب الترابي الجهوي لحركة قادمون وقادرون بجهة فاس- مكناس

إن مفهوم المقاولة المواطنة والمسؤولية الاجتماعية للمقاولة يحيطه غموض كبير و أكتر من ذلك يترك عدة تساؤلات، وخاصة عند الأخذ بعين الاعتبار الاستثمار الدولي والوطني للمقاولة .
واذا كان للمقاولة دور كبير في استقطاب اليد العاملة والمساهمة الضريبية، وتحديد آليات احترام محيطها الخارجي من بيئة واستقرار اقتصادي، فإن الربح يبقى هو الهاجس الأوحد للمساهم .لكن عند حلول أي أزمة اجتماعية يتم إسقاط المسؤولية، من طرف السياسيين، على المقاولة وخاصة في شقها الاقتصادي سواء بطرد العمال أو عدم خلق فرص الشغل والرفع من القيمة المضافة الكافية أو المساهمة في رفع درجة النمو الاقتصادي الوطني . وهنا تتم دعوة المقاولة الخاصة إلى الباطريوترية والتضحية من أجل المساعدة على الخروج من الأزمة، سواء برفع المساهمة الضريبية، الرفع من التشغيل والاستثمار ، باللجوء إلى الرأسمال البنكي بسعر فائدة أقل أو ضخ رأس مال خاص بعد الكف عن تقسيم الأرباح و الأمثلة الحالية كافية من طرف لجنة اليقظة ( برنامج أوكسجين ،انطلاقة ،دعوة الابناك وشركة التامين إلى وقف تقسيم الأرباح….).
هده الدعوة الى الوطنية و المواطنة تبرز مدى أوجه المفارقة و العودة الى الوراء، فاذا كانت المقاولة قد اعترت سابقا، كأحد مكونات الهوية الوطنية و أحد أوجه النجاح و التفوق لأي بلد و شكل من أشكال ضمان الأمن و الازدهار الشخصي للمواطن، لدرجة أنه لم يعد هناك فرق بين تنمية الوطن و تنمية المقاولة، رغم أن التصدير و البحث عن الأسواق الجديدة العالمية لم يكن أبدا عائقا .
للأسف، فالعولمة المطلقة و السوق الدولي الحر و التبادل التجاري الحر و المؤسسات النقدية الدولية و البنية القانونية للمنظمة العالمية للتجارة فرض تقويض هذا الانسجام المثالي.

لم يعد الأمر يتعلق بمعرفة مكان التصدير ، ولكن يتعلق باختيار المكان الذي سيقيم فيه مصانعه، والبت في التصنيع الذي من الأفضل التخلي عنه إلى بلدان أخرى أكثر كفاءة، وتقييم ما هي أفضل الفرص الاستثمارية المربحة في السوق المالي العالمي .

فحتمية هذا التطور و التوجه الاقتصادي العالمي أدى بنا كمستهلكين الى النفور من المنتوج الوطني made in Morocco و البحث عن جودة أفضل بثمن مناسب عند الشركات الأجنبية، مما فرض على المقاولة الوطنية التخلي عن الانتاج و التصنيع مقابل الاستيراد و التجارة من أجل تكلفة أقل و التزام و مسؤولية اجتماعية ضعيفة.

و حتى على مستوى الخدمات السياحية أصبح التوجه الى الخارج و الابتعاد من المنتوج السياحي المحلي أمرا عاديا و شكل من أشكال التسوق و الاستجمام المرغوب فيه من طرف جميع الفئات.

فمن خلال الانخراط في منافسة دولية شرسة بشكل متزايد، أدركت الشركات أن القيود الاجتماعية التي أرادت الدولة فرضها عليهم كما دكرت ، مثل ضمان التشغيل أو الحفاظ على مستوى الحماية الاجتماعية والتعويض. أصبحت هي المعرقل الاساسي .
هده الوضعية ككل أدت بالمسؤولين السياسيين و من دافعوا من أجل فتح الحدود وإلغاء القيود، فجأة في مواجهة مطالب مواطنيهم وأن الشركات الخاصة لم تعد حليفتهم. والأسوأ من ذلك، تدرك الدول أنها تخلت عن سلطتها للأسواق العالمية، وفي عجز تام عن تغيير مسار الأشياء. مما أدى الى إعلان الطلاق بين الدولة-المواطنة والشركة المُعَولمة .
في الأخير يجب الجزم بأن الطابع الوطني لا ينفصل أبدا عن الطابع الدولي للشركة. وعكسه مجرد غطاء للفشل السياسي .
و الأهم كيف هو تنظيم علاقات القوة بين السياسي والاقتصادي؟ ما هي الاختصاصات التي يجب فصلها حتى لا يسحق أي منهما الآخر؟
من هنا الشعار التقليدي لتأميم الشركات أصبح متجاوزا .ومن المؤكد و الضروري التوجه نحو العولمة النسبية باستثمار الدولة في الاقتصاد بعد ابتعاد الخواص نتيجة جُبْن البرجوازية الوطنية الاستثماري.

وأول الأولويات ستكون في تحصين الاقتصاد الوطني، في أفق تحقيق الاقتصاد المستقل، خاصة في القطاعات ذات الاولوية التضامنية و الاجتماعية مع الاستثمار في صناعات الأمن الغدائي و الصحي كمراكز البحث البيولوجي في الجامعات، ومن الواضح أن شركات وطنية خاصة كالمستثمرين في الصناعات الصحية، و الصناعة في الأمن الطاقي هم مدعوون إلى إعادة النظر في طريقة الاستثمار في مشتقات الغاز و البترول المحلي و فرض شروط جديدة على المستثمر الأجنبي في القطاع، و الابتعاد عن اقتصاد الريع .

و نحن في خضم العمل على إعداد مشروع قانون المالية المعدِّل حسب وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، يجب على الحكومة أن تعمل على وضع خطة طموحة لإنعاش الاقتصاد الوطني، باعتماد استراتجية تسهيل ورفع الطلبيات العمومية من أجل تشجيع الاستهلاك أي الطلب و الإنتاج أي العرض.

و الكل من أجل بناء اقتصاد في خدمة الصالح العام، مما سيمكِّن كل المواطنين من الموارد الضرورية للحصول على السكن اللائق والغذاء والتعليم والرعاية الصحية والشغل.
نعم، بدون شك سيفرض على الدولة نهج اقتصادات براغماتية، و تشجيع الاستهلاك المحلي بتقديم الجودة اللازمة و الأثمنة المناسبة، والرفع من القدرة الشرائيةن لتحقيق السيادة الاقتصادية مستقبلا .

* المنتدب الترابي لحركة قادمون وقادرون بجهة فاس- مكناس

تعليق واحد

  1. سعدية اسلايلي

    مهما كانت القوانين والقواعد الاقتصادية حديثة وعصرية…..لا تجدي نفعا دون حكامة وإرادة سياسية نابعة من تصور واضح ومنحاز اجتماعيا….تحية لقلمك دكتور بلبوخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *