الرئيسية / كُتّاب وآراء / إما الاشتراكية أو البربرية !

إما الاشتراكية أو البربرية !

الطبقة العاملة ضحية كبرى للعولمة المزدوجة ، عولمة الليبرالية المتوحشة وعولمة الأوبئة، فبحكم موقعها المركزي في عملية الإنتاج تجد نفسها في الخط الأمامي لمواجهة تداعيات الزمن الليبرالي المعولم والزمن الوبائي المعولم ، ومن ثمة فالقول أن جائحة الكورونا لا هوية طبقية لها قول غير سديد من حيث أن شروط مواجهتها والوقاية منها تتحدد كثيرا حسب الموقع الطبقي داخل البنية الاجتماعية والذي تحكمه مجموعة من المعايير السوسيواقتصادية كطبيعة الشغل المزاول، واقع الحقوقية الشغلية في المنظومة الدستورية والقانونية والمؤسساتية السائدة، مستوى التدريب المهني في مجال الصحة والسلامة المهنية ومدى تفعيل آليات الحماية، نوعية السكن…الخ. وتشكل البؤر المهنية التي أصبحت مصدرا حقيقيا لانتشار العدوى، نموذجا صارخا لويلات الرأسمالية الطفيلية ومآسيها التي تؤدي ثمنها غاليا الطبقة العاملة في ظل هيمنة “باطرونا ” جشعة و بعيدة كل البعد عن المفهوم الليبرالي للمقاولة المواطنة.
وتشمل البؤر المهنية غالبا المقاولات التي تنشط في قطاعات متعددة منها النسيج وتصبير السمك والخدمات التجارية والمناجم والمواد الغذائية…، كما أن الانتشار المتكرر للعدوى “مقاولاتيا ” في العديد من المدن المغربية (القنيطرة، الدار البيضاء، فاس، طنجة، العرائش، مراكش.. )، كشف عن استهتار أرباب العمل بالتدابير الاحترازية في مواجهة فيروس كورونا، هذا الاستهتار هو امتداد لانتهاك الحقوق الشغلية على الأقل على مستوى الوقاية والسلامة المنصوص عيلهما في مدونة الشغل من خلال لجنة المقاولة ولجنة الصحة والسلامة المهنية والأدوار المنوطة بأطباء الشغل تحت إشراف مفتشية الشغل في هذه المرحلة الحرجة، وتحرص كثيرا منظمة العمل الدولية على دعوة الدول الى التقيد بها من خلال اتفاقياتها وتوصياتها، وبالتالي فلجوء الحكومة الى إغلاق “المقاولات ” كما حدث مؤخرا بطنجة كان جوابا متأخرا على معضلة تغييب صحة العمال والعاملات من المخطط الوطني لمواجهة الجائحة ومحاباة لباطرونا لا يهمها غير الربح وتكثيف شروط الاستغلال الطبقي، وبالتالي لامبالاة إزاء ما يمكن أن تشكله هذه المؤسسات من خطر على حياة العمال والعاملات والمجتمع ككل .
صحيح أن بعض الوحدات الإنتاجية لا يمكن أن تتوقف نظرا لتمويلها للسوق الاستهلاكية بالمواد الأساسية كشركات الحليب والجبن والمطاحن والمستلزمات الطبية…لكن الغريب أن بعض المصانع التي شهدت تفشي الوباء استمرت في العمل على الرغم من إنتاجها لمواد موجهة للتصدير كما حصل مؤخرا بالدار البيضاء في ثلاث شركات موحدة لصناعة الأحذية المجهزة للتصدير إلى أوربا مع العلم أن الحدود مغلقة، و تضم هذه الشركة حوالي 1000 عامل حيث تعرض حوالي 33 عامل للإصابة بجائحة كوفيد 19 ومن المرجح أن ترتفع الإصابات وسط عمال آخرين وأسرهم إذ يخضع مئات العمال للتحليلات المخبرية، وحسب ما تناقلته الصحف فقد كان صاحب الشركة يلجأ الى المكر والتحايل من خلال إخفاء عشرات العمال في أماكن مغلقة أثناء زيارة اللجنة الصحية لمراقبة مدى احترام الشركة لمعايير الوقاية من الوباء.
إن النقاش المستجد والجاري حول إمكانية تصنيف فيروس كورنا كمرض مهني من حيث ارتباط اختراقه للوحدات الإنتاجية بأخطاء رب العمل الناتجة عن غياب التدابير الوقائية والاحترازية كالمسافة الآمنة، توفر مواد التعقيم وتعقيم فضاء العمل، الكمامات…الخ، لكن وقوع العمال وأسرهم ضحية هذا الوباء يستوجب التأمين والتعويض، و يطرح تحديات حقيقية على الحركة النقابية في تغيير مدونة الشغل والضغط من اجل مصادقة الدولة المغربية على اتفاقيات منظمة العمل الدولية وملائمة تشريعات الشغل المحلية مع نصوصها وتوصياتها، وكذلك مواجهة كل إجهاز على حرية العمل النقابي وتعطيل آليات الحوار والتشاور باسم حالة الطوارئ الصحية والحجر الصحي في وقت تلجأ فيه العديد من المقاولات والمعامل الى الضغط على العمال والعاملات للعمل في شروط مهينة دون مراعاة المرحلة الوبائية وإلا يتم تسريحهم تعسفا. وهنا يطرح السؤال عريضا حول دور السلطات المحلية والقضاء ومفتشي الشغل في المراقبة والزجر والسهر على تطبيق مدونة الشغل على علتها.
إن السياسة التي أطرت مواجهة الأنظمة الرأسمالية في مواجهتها لجائحة كوفيد 19، حكمتها قاعدتين أساسيتين ،” دعه يعمل، دعه يموت لم يعد منتجا”، ثم “أنا ومن بعدي الطوفان”، مما كشف عن الوجه اللامسؤول واللاأخلاقي والمتوحش لليبرالية المعولمة، وهذا ما يمنح لشعار ماركس وانجلز الخالد والذي ختما به البيان الشيوعي (1848) ” يا عمال العالم اتحدوا ! ” كل راهنيته من أجل عولمة المقاومة ومشروعية الأفق الاشتراكي على قاعدة ” إما الاشتراكية أو البربرية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *