الرئيسية / كُتّاب وآراء / الوجه الايجابي للأزمة: من العولمة المطلقة الى العولمة النسبية

الوجه الايجابي للأزمة: من العولمة المطلقة الى العولمة النسبية

رشيد بلبوخ، المنتدب الترابي الجهوي لحركة قادمون وقادرون بجهة فاس- مكناس

لا يمكن الحسم قطعا بأن كل شيء سيكون على غير ما كان عليه قبل الجائحة، وأن الحياة ستتغير كليا، ذلك تخمين صعب وغير مؤسس علميا.  صحيح أن كوفيد 19 Covid- فاجأ الجميع، فقد جاء على بغتة، بدون سابق إنذار، وبعثر الأوراق في جميع أنحاء العالم بدون استثناء في وقت واحد و سريع. يُجمع المختصون بأن الآثار الناجمة عن الركود الذي يعيشه العالم ستستمر بمدد متفاوتة، وأن مواجهتها ومعالجة تبعاتها لن تكون فعالة إلا بوضع استراتيجيات مندمجة وتصورات مختلفة لعالم ما بعد Covid-19.

أولا على مستوى الاقتصاد الشمولي(الماكرو-اقتصادي) : 

أرى أن من يراهنون على انهيار العولمة بفعل الأزمة الحالية يتوهمون وقوع أشياء لن تحدث. صحيح أن الاقتصاد العالمي سيعرف مرحلة انكماش، لكن هذا لا يعني أن العولمة ستنهار. علينا أن نعرف بأن في كل أزمة هناك وجه إيجابي. للعولمة مستقبل زاهر لأن العولمة ليست فقط الاستثمارات المباشرة للشركات العالمية التي يمكن سحبها في لحظة انكماش أو حدوث ازمة اقتصادية، فالفاعلون المباشرون في العولمة سيعملون على ترتيب الاولويات بعد حصر نتائج الازمة وتقييمها بفعل عدم الاستقرار الاقتصادي الحالي.

فأولى الأولويات ستكون هي تحصين الاقتصادات الوطنية لكل دولة، في افق تحقيق الاقتصاد المستقل، على الأقل، في القطاعات ذات الاولوية التضامنية والاجتماعية. لذلك يجب الاستثمار في صناعات الامن الغذائي والصحي، من خلال دعم مختبرات ومراكز البحث البيولوجي في الجامعات، وكذلك الاعتماد على شركات وطنية خاصة في الاستثمار في الصناعات الصحية والصناعات ذات الصلة بالأمن الطاقي، من خلال إعادة النظر في طريقة الاستثمار في مشتقات الغاز والبترول المحلي وفرض شروط جديدة على المستثمرين الاجانب في هذا القطاع …ولن ننجح في ذلك بدون التخلي عن اقتصاد الريع.
نعم سيفرض على كل الدول نهج اقتصادات براغماتية لتحقيق السيادة الاقتصادية. وبذلك سيتحقق الانتقال من مرحلة العولمة المطلقة الى العولمة النسبية.

بعد دخول الصين في المنظمة العالمية للتجارة وانطلاقتها القوية بسرعة قوية منذ 1995، أُرغِم الاقتصاد العالمي على الاعتماد عليها اقتصاديا من اجل الرفع من هامش الربح. في السياق الجديد ستجبر كل المقاولات او جلها على فقدان اساس استراتيجية المقاولة وهو تحقيق سلسلة القيمة الاقتصادية la chaîne de valeur، بحيث سيكون على كل الدول العودة الى تشكيل اقتصاد محلي مبني على الاستثمار في قطاعات صناعية معينة من اجل الاندماج الاقتصادي المحلي، مما سيكون له من انعكاسات كالتقليل من البطالة، واعادة توازن الميزان التجاري بعد تقليص كلفة الاستيراد مما سيؤدي إلى الرفع في قيمة الاحتياط من العملة الأجنبية. وهذا هو الوجه الايجابي للأزمة.

في الوقت الحالي الكل يلاحظ غيابا تاما لمرتكزين: الطلب وهو مرتكز أساسي ومحدد جوهري في آليات السوق، نتيجة الحجر الصحي. والمرتكز الثاني العرض بفعل الحجر الاقتصادي الذي أصاب أجزاء كبيرة من القطاعات وبشكل متزامن. إن غياب هذين المرتكزين له آثار سلبية مثل البطالة والأزمات الاجتماعية والنفسية والمالية… كما أثر هذا الغياب على الوحدات الاقتصادية بفعل التوقف التام للمعاملات وما يرتبط بها من سيولة. للأسف الشديد نعلم بأن اغلب المقاولات تعتمد على السيولة المالية والاقتراض.

ما العمل بعد الأزمة ؟

أولا :  بناء اقتصاد في خدمة الصالح العام :

وهو ما سيمكِّن كل المواطنين من الموارد الضرورية للحصول على السكان اللائق والغذاء والتعليم والرعاية الصحية والشغل. إن تطوير الإمكانات لا تقتصر على الموارد المادية للعيش الكريم مثل المال أو البضائع القابلة للقياس الكمي. إن الزمن مهم بنفس القدر، سواء تعلق الأمر بالزمن المخصص للإنتاج المادي أو بالزمن اللازم لتنمية الشخصية والثقافة أو الزمن المخصص للحياة الاجتماعية والمشاركة المدنية والعمل الأسَري.يفرض علينا الصالح العام الإنتاج الجماعي للثروة الضرورية وتقاسمها بعدل لتوفيرالأمن الاقتصادي للجميع، مع الاهتمام المستمر بالحفاظ على عالمنا حتى نسلم للأجيال القادمة بيئة قابلة للحياة.

تأسيس اقتصاد تعددي، يقوم على قيم الإنصاف والتضامن والتنوع والإدارة الذاتية والحرية، في ظل ظروف التوازن البيئي والكفاءة، بما في ذلك استكشاف نظم اقتصادية بديلة.

كما يجب التوقف عن النظر إلى النمو الاقتصادي كهدف بذاته، حيث يجب علينا تشجيع التنمية التي تعزز الرفاه الجماعي وتضمن الاحترام الكامل لحقوق الجميع. لهذا الغرض، يجب اتخاذ تدابير قانونية وتنظيمية ومالية فورية لوقف كل إنتاج زائد عن الحاجة، وكبح الإفراط في الاستهلاك، وإيقاف مسلسل المديونية وأي نشاط آخر غير مستدام على المدى الطويل. بهذا المعنى، علينا أن نولي أهمية أقل لمؤشر الناتج المحلي الإجمالي على أن نقدر المؤشرات البديلة التي تأخذ في الاعتبار العوامل الخارجية الاجتماعية والبيئية الناجمة عن النشاط الاقتصادي. لابد للمؤشرات البديلة أن تأخذ بعين الاعتبار العمل الذي تقوم به النساء طيلة اليوم من خدمات اجتماعية في إطار التعاونيات الصغيرة وفي الجمعيات وفي الأسرة وكذلك.

ثانيا : يجب التأسيس لاقتصاد ديمقراطي

يمكن التخلي على قطبية النموذج الاقتصادي المزدوج (القطاع العام والخاص) لتبني نموذج رباعي:
* اقتصاد اجتماعي يتكون من مؤسسات اجتماعية وغير ربحية وكذلك منظمات مجتمعية أو جماعية أو تعاونية تقدم خدمات لا حصر لها للسكان.
* اقتصاد منزلي أساسي قائم على الخدمات المقدمةللعائلة ، ومقدمي الرعاية الطبيعية (معظمهم من النساء) ، وبشكل أعم يجب التركيز على الخدمات المجانية أو التطوعية التي تحتاج للاعتراف بها اجتماعيا وكيفية حساب قيمتها.

* يجب إعادة تقييم الاقتصاد العمومي وشبه
الحكومي، الذي تكمن أهميته ودوره الاجتماعي ، من بين أمور أخرى ، في توفير الخدمات المنصفة لجميع السكان في جميع أنحاء المملكة .
* اقتصاد خاص يتكون من شركات تهدف إلى إنتاج وبيع المنتجات والخدمات على أن يوافق المستثمرون في إطاره على العمل وفقًا للقواعد الجماعية (الاجتماعية والبيئية وغيرها) التي يمنحها المجتمع المغربي قيمة اكثر.

العلاقات بين قطاعات الاقتصاد المختلفة

يجب أن تعتمد إستراتيجية التحول الاجتماعي للاقتصاد، من بين أمور أخرى، على اقتصاد عمومي قوي (قطاع الخدمات العامة، شركة الانتاج) وحماية المؤسسات العمومية في قطاعات استراتيجية معينة مثل النقل، والطاقة وغير ذلك. كما يجب الحفاظ على حيز محدد للقطاع الخاص في الاقتصاد الاجتماعي الذي سيتم تشجيعه وتطويره (التعاون، القطاع المجتمعي، مؤسسة الاقتصاد الاجتماعي) ولا سيما فيما يتعلق بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم.
لهذا السبب نريد أن نجعل الاستثمار والدعم الحكوميين للشركات مشروطين بمعايير المسؤولية الاجتماعية والبيئية الصارمة، بهدف الانتقال إلى الأعمال التجارية ذات التدبير الذاتي والمجتمعي.

أيضا يجب تعزيز مبادئ الاقتصاد التشاركي. بهذا المعنى، يجب على مؤسسات الدولة المختلفة أن تدمج هذه الشركات في كل تخطيط وفق روح وطنية وديمقراطية ولامركزية. كما يجب أن تتم الإدارة العامة لهذه الشركات وتحديد أهدافها بشراكة مع السلطات الجهوية أو الوطنية، بحيث تتضمن تركيبتها تمثيلًا حقيقيًا للشركة بأكملها (موظفو الشركة) وممثلي الدولة والممثلين المنتخبين الإقليميين وممثلي المواطنين، وما إلى ذلك. أخيرًا، ليس على الحكومة (أو كبار مسؤوليها) فرض سلطتها في تنظيم العمل داخل هذه الشركات، عليها أن تتعاون مع الموظفين وممثليهم الاجتماعيين (وفق منظور الإدارة الذاتية).
هذا على المستوى الاستراتيجي، أما على المستوى الاستعجالي: لابد من العمل بسياسة التشغيل خارج إطار النمو الاقتصادي بملأ الخصاص في جميع القطاعات العمومية و الشبه عمومية L’embauche hors croissance لامتصاص البطالة وتجويد الخدمات ورفع معدل الاستهلاك وتوسيع الوعاء الضريبي.

على مستوى الجبايات :

يجب اعادة النظر في المنظومة الضريبية من اجل التأسيس لعدالة ضريبية على المدى القصير باعتماد الدخل الأسري والعائلي كمرجع للتصريح الضريبي، وعلى المدى المتوسط بإعادة النظر في سياسات وقرارات الاعفاء الضريبي.

للنجاح كذلك لابد من الاعتماد على الكفاءات في مرحلة ما بعد الجائحة، حيث ينبغي أن يكون الاستثمار في رأس المال البشري بهدف خلق عالم الغد، حتى نتمكن من الاعتماد على مهارات متنوعة، وبكفاءة قادرة على القيادة نحو هدف مشترك .

بفضل هذه الأزمة الصحية أدركنا أهمية العامل الاجتماعي في كل تخطيط كرؤية في صلب التصور الاقتصادي للدولة وللشركات الخاصة. كما لمسنا الاولوية التي تحتلها مسألة تأسيس شروط الدولة الاجتماعية القادرة على التوزيع العادل للثروة. كما لاحظنا آثار عدم المساواة والفوارق الاجتماعية. لذلك فنحن نخشى الأسوأ إذا لم نكن حذرين.

لم يعد من الممكن حصر وجود الشركات و المؤسسات في تراكم رأس المال و الربح وتعويضات المساهمين. بل اصبح من الضروري دمج المسؤولية الاجتماعية للشركة في السياسات و الاستراتجيات التي تتخذها و اعتبارها كضرورة حتمية للأداء المستديم بسياسة التشغيل خارج إطار النمو الاقتصادي بملأ الخصاص في جميع القطاعات العمومية و الشبه عمومية L’embauche hors croissance لامتصاص البطالة وتجويد الخدمات ورفع معدل الاستهلاك وتوسيع الوعاء الضريبي.

يجب اعادة النظر في المنظومة الضريبية من اجل التأسيس لعدالة ضريبية على المدى القصير باعتماد الدخل الأسري والعائلي كمرجع للتصريح الضريبي، وعلى المدى المتوسط بإعادة النظر في سياسات وقرارات الاعفاء الضريبي.

الإعتماد على الكفاءات 

‎للنجاح كذلك لابد من الاعتماد على الكفاءات في مرحلة ما بعد الجائحة، حيث ينبغي أن يكون الاستثمار في رأس المال البشري بهدف خلق عالم الغد، حتى نتمكن من الاعتماد على مهارات متنوعة، وبكفاءة قادرة على القيادة نحو هدف مشترك.

 

‎بفضل هذه الأزمة الصحية أدركنا أهمية العامل الاجتماعي في كل تخطيط كرؤية في صلب التصور الاقتصادي للدولة وللشركات الخاصة. كما لمسنا الاولوية التي تحتلها مسألة تأسيس شروط الدولة الاجتماعية القادرة على التوزيع العادل للثروة. كما لاحظنا آثار عدم المساواة والفوارق الاجتماعية. لذلك فنحن نخشى الأسوأ إذا لم نكن حذرين.

‎ لم يعد من الممكن حصر وجود الشركات و المؤسسات في تراكم رأس المال و الربح وتعويضات المساهمين. بل اصبح من الضروري دمج المسؤولية الاجتماعية للشركة في السياسات و الاستراتجيات التي تتخذها و اعتبارها كضرورة حتمية للأداء المستديم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *